أخبار ساخنة

الثعلب الذي لا يشمّ الوزير السابق جوزف الهاشم


في كتابه : "حديث المائدة" كتب رجل القانون والمستشرق الإنكليزي الذائع الصيت (جون سلدن Selden) "إنّ الأسد دعا النعجة وسألها إذا كانت هناك رائحة تخرج من فمـه ، فلما أجابتْ بالإيجاب قتلها لأنها غبيّـة ، فوجَّـهَ السؤال للذئب فأجاب بكلمة "لا" فمزّقه لأنه متملّق ، وأخيراً نادى الثعلب وكرّر عليه السؤال فقال الثعلب إنه مصاب بالبرد والزكام ولا يستطيع الشمّ فنجا بنفسه" .
      هذا كان في أوائل القرن السابع عشر ، أما اليوم وبفعل تفتّح آفاق العقل وازدهار معارف التكنولوجيا في القرن الواحد والعشرين فقد تطورت ثقافة الثعالب في أساليب الشمّ والزكام وأصبحت مادة تعتمدها الدول في علاقاتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية وفي سائر شؤون الحرب والسلم المتعلقة بحياة البشر .
      تعالوا نتبصّر بهذه الثعلبة في السياسة الأميركية التي تعتمد الهيمنة والمكابرة والسياسة الإيرانية التي تعتمد الخداع الساطع ، وبما تعتمده إسرائيل في سياسة المخالب المتوحّشة .
      يقف الثعلب أمام الثعلب وليس هناك من أسد ، وترتفع طبول حرب المفاوضات وحرب الوساطات وحرب المساومات ، وحرب الإنتخابات الإسرائيلية  والأميركية ، يتبارزون بالسيوف ويكسرون سيوفهم في الهواء ، ذئاب تواجه ذئاباً ولا تعضُّ أخواتها ... وحده الشعب هو النعجة التي تُسلخُ قبل أن تُذبح .
      ولكن هذه المرواغة السياسية الكاذبة على طريقة قصّة الذئب والحمل التي تٌرْوى للأطفال ، لا تلبث أنْ تستدرج حرباً طاحنة لا يسلم منها كل بنات آوى في أوكارها وكل أصحاب المخالب التي لا تعضّ أخواتها .
      أما نحن ، فالحرب عندنا مستمرة بفعل الوصايات ، والسلم عندنا هو أيضاً حرب ، ونخشى إذا ما وقعت الحرب الساخنة أنْ نكون مرهونين لها ، مستنفرين جنوداً لإسناد الآخرين ، نساندهم على حساب احتلال أرضنا وتدمير قرانا ، وسقوط شهدائنا .
      ساندناهم ونساند في الحروب وليس هناك من يساندنا في المآسي ، نستند إلى حطام الهياكل وركام المنازل وجدران المقابر .
      نحن عندنا ، ثعلبانِ أكبرانِ يتصدّران مجموعة الثعالب الصغيرة ، يصابان بالزكام أمام الأسد وتتعطّل عندهما كل الحواس الخمس ، ثمَّ تتفتّح عندهما شهيّـةُ الشمّ أمام أبواب المصارف وأبواب الصفقات والسمسرات وودائع المودعين .
      وعلى خطى الثعلبَين الأكبرَيْن تسيرُ مواكب الثعالب الأخرى .
      وكم من ثعلب كبير الأذنين طويل الذنب شاء أن يدخل عرين الأسد لعلّـهُ يستمدّ منه الزئير ولكنه خرج من العرين ثعلباً .
باب الأسد والثعلب في كتاب كليلة ودمنة الذي عرَّبـهُ إبن المقفع عن الفارسية ، يتكلم على العقل والجهل ، والظلم والعدل ، والسلوك عند الملوك .
ويتكلّم على السياسة الخارجية ، والأخلاق العسكرية وتفضيل السلم على الحرب .
إذا تعذّر عليكم أن تقرأوا في كتاب "حديث المائدة" للمستشرق الإنكليزي بسبب رفض لغة الإستكبار .
فقد يتحتّم عليكم قراءة بعض الأمثال في كتاب كليلة ودمنة الذي يكلّم البشر بلسان الطير والبهائم .

عن جريدة الجمهورية : 6/11/2026