أخبار ساخنة

الرئيس جوزف عون واللغة الإنكليزية الوزير السابق جوزف الهاشم


    سمعتُه باللغة العربية ، محدِّثاً وخطيباً ومخاطباً ، فكان كلاسيكيّاً حيناً ودبلوماسياً حيناً آخر ، فيما البلاد تعطّلتْ فيها لغة الكلام ، وأصبح السيف أصدق أنباءً من الكتُبِ .
      وسمعتُ فخامتَهُ يتكلّم باللغة الإنكليزية عبـرَ شبكة أخبار CNN فقال بما هي ترجمتُه :
      "على الحرس الإيراني أن يَعي أن لبنان بلدنا وليس بلده ..."
"الشعب اللبناني يدفع الثمن بالقتل والتدمير من أجل خدمة مصالحكم ..."
      من هنا السؤال : لماذا فخامة الرئيس لا يتكلّم دائماً بالإنكليزية ...؟
      في المقابل : كان لرئيس الحكومة نواف سلام كلامٌ باللغة العربية توجّـه بـهِ إلى إيران قائلاً : "إرحمي جنوبنا ..."
      ظريفٌ رئيس الحكومة : إنه من إيران يطلب الرحمة .
      أياً كانت المواقف حيال كلام رئيس الجمهورية ، فالرجل يحمل أمانة القسم "للمحافظة على استقلال لبنان وسلامة أراضيه" .
      وعندما يضع وزير الخارجية الإيراني اسماعيل عراقجي مشكوراً ، علم لبنان إلى جانب علم إيران انتصاراً للقصف الإيراني على إسرائيل ، يخيّل إلينا أن وزير الخارجية الإيراني قد أقسم اليمين هو أيضاً من أجل استقلال لبنان وسلامة أراضيه، فيما أراضيه تحتضر نزفاً ونزوحاً .
      وحين نرى في المقابل لوحة تعمِّمُها السفارة الإيرانية في لبنان ويُكتَبُ عليها:
"لبنان قلب إيران" .
      فلا نستغرب إن راح فريق من اللبنانيين يطالب بإجراء عملية القلب المفتوح لقلب الدولة الإيرانية .
      بالمناسبة ، ألا يخجل الذين يشوّهون صورة رئيس الجمهورية بأشكال واتهامات معيبة بما هو انهيار حقيرٌ للمستوى الأخلاقي والمستوى الوطني ...؟
      ولو أن أحداً منهم في بلادٍ معروفة أخرى تلفَّظ بانتقاد الحاكم أو النظام هل يبقى لحظة واحدة دون أن يلفظ أنفاسه الأخيرة على شفرة المقصلة .؟
      مشكلتنا مع اللغة العسكرية ، هي الإيحاء باعتماد الإستشراف الإفتراضي .
      أو باعتماد القرار الظنيّ بواسطة : كنا وكانوا ..
لو لم نفعل لكانوا فعلوا ... لو كنا نعلم لما فعلنا ... لو لم نرفض لكانوا رفضوا...
كان في القواعد العربية فعل ماضٍ ناقص ، وكلّنا في اللغة العربية : لغةِ الدولة الرسمية نستخدم الأفعال الناقصة .
      حتى الأسماء الجليلة أصبحت أسماء ناقصة كمثل إسم : الوطن والسيادة والولاء والإستقلال .
 وكأن الإنحياز إلى أميركا يشكّل دعامة للإستقلال ...
      وكأن عدم الإنحياز إلى إيران يشكل حكماً مبرماً بالخيانة والصهيونية .
      أخطر ما نعانيه في الحرب ، هي حرب التضليل والتخوين وحرب المذاهب على المذاهب .
      تعالوا ، نصدّق مثلاً أنّ هناك مخططاً لاستئصال الطائفة الشيعية شبيهاً بما قامت به سلطة المماليك في كسروان وجبيل ، أو كمثل النكبة التي ألـمَّتْ بجبل عامل على يد أحمد باشا الجزار .
      إذا صحّ ذلك ، فأنا ومَنْ يؤمن مثلي على استعداد لأن نطوف على الدراجات النارية في أرجاء لبنان هاتفين : شيعة ، شيعة ، شيعة .
      هل صحيح أن الشيعة فريق هزيل مستضعفٌ في لبنان وهو الأكثر عدداً والأكثر عـدَّةً ، والأرهب سلاحاً والأهمّ تدريباً وتنظيماً ، فحرِيٌّ بالآخرين أن يخافوا منه لا أن يخاف هو من الآخرين .
      في هذه المعمعة الوطنية الصاخبة والمتضاربة ، أكثر ما يخيفنا خفّـةُ قيادات هذا الشعب الضائع في متاهات اللغات ، فلم تعد اللغة اللبنانية صالحةً للتفاهم فيما بيننا لنلجأ إلى اللغة الإنكليزية والفارسية .
      حتى إن لبنان أصبح وصْفـاً خيالياً شعرياً مصيرهُ ومصيرنا معه معلَّقٌ بالنجم مع أحد أبيات سعيد عقل :
" لي صخرةٌ عُلّقتْ بالنجمِ أسكنُها              طارتْ بها الكُتْبُ قالتْ : تلك لبنانُ " .
 
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 12/6/2026