
منْ حربٍ إلى حرب : مسيّراتٌ وغارات ، نزوحٌ واحتلالات ، شهداء ومفاوضات ، طاحونةٌ حمراء تدور على نفسها ، تبدأ ولا تنتهي ، وهي كالنار تأكل الضحيَّةَ ثمّ تأكل نفسها .
ملحمةٌ ملَلْناها ، وملَلْنا أبطالهَا ، وملّتْ معنا الأقلامُ حتّى الإرهاق .
الأقلامُ أيضاً تحارب كما الرماح ، وإنْ تكسّرتِ الأقلامُ على الأقلام ، فقد تظلّ تنطق بالحقّ ، والحقُّ مثل الله لا يتحطّم .
ما رأيُ وسائل الإعلام في إعلانِ استراحةٍ للمحارب ، لننتقل بالقلم من حرب المسيّرات إلى حرب الكلمات والمعاني المبتذلة التي تروَّجُ بين فترةٍ وحين على لسان بعض المهووسين بالإبتكار ، فتنتقل بالعدوى من لسان إلى لسان ، ومن شاشة إلى شاشة ، وفي اللغة ليس هناك اختراعات بل قواعد .
أرضيّة الحركة الوطنية
في أواخر السبعينات ابتدَعَتْ جماعة الحركة الوطنية كلمة "الأرضية" وراحت تردّدها في الخطب والبيانات والمناسبات ، ولم تلبث أن تعمَّمتْ على ألسنة السياسيين والإعلاميين ، كما في بعض المراسلات الرسمية ، فما صدر كلام أو بيان أو حديث إلاّ كان فيه كلمة "الأرضية" ، وحين استُهلِك مفعولُها انقطع نسْلُها .
فاصل ونواصل : حوارات صاخبة
وفي أواخر التسعينات أطلقت الفضائيات العربية بدْعتين ، فتلقَّفتهما وسائل الإعلام اللبنانية بشراهة غبّيـة .
البدعة الأولى : في حلقات الحوار السياسية ، حين راح المحاور يحرّض ضيوفه على المواجهة الحادّة ، فيتحوّل الحوار إلى اشتباك وصراخ وشجار ، حتى تتخالط الأصوات الصاخبة ، فلا يعود المشاهدون يفهمون ما يقوله المحاورون ، وقد أدّى هذا النوع من الحلقات على إحدى الشاشات إلى شهر الأسلحة .
وبلغ عندي الفضول الرغبة في تقصّي الأمر فتبيّن : أن إدارة المحطات تشجّع على اعتماد هذا الأسلوب بحجّـة أنه يستقطب عدداً أوسع من المشاهدين وكذلك من المعلنين .
وفات هؤلاء أن هذا الأسلوب الساقط والصاخب يجعل المشاهدين يتحوّلون إلى محطات أخرى .
والبدعة الثانية : هي عبارة "فاصل ونواصل" : في حين أن فعل واصلَ ونواصل يتعدّى إلى مفعول ، أيّ : نواصل ماذا ...؟
ومع أنني دعوت في مقابلات تلفزيونية واتصالات شخصية ببعض المحطّات منبّهاً إلى هذين الخطأ والشطط ، فلا يزال هناك من "يواصل الفاصل" عمداً أو سهواً بالحلقات الصاخبة .
ــ السرديّـة ــ
البدعة العصرية اللاّفتة هي كلمة "السرديّة" وهي تكاد تكون وريثة "الأرضية"، فما سمعتُ حواراً متلفزاً ، وما قرأت مقالاً أو حضرت مجلساً إلاّ كانت كلمة "السرديّة" سيدة الكلمات ، وأحياناً تقع حيث لا يصحّ أن تقع .
كلمة سرَدَ في القاموس ولسان العرب تعني : تكلَّمَ وتابع الكلام ، وسردَ في القرآن ، تابع قراءتَهُ وأجاد سياقَهُ ، ووصْفُ الشعْرِ بالسردية هو انحطاط في مستوى الشعر ، ولأن كلمة سرَد تعني ثقَبَ أي قدحَ فهي تُطلقُ أيضاً على ما هو قدحٌ وذمّ .
سرِّدوا قدر ما تريدون ، ولكن اعرفوا كيف ومتى تسرّدون .
جاء النائبة وذهبتْ النائب
أما الطامَةُ الكبرى ، وقد نبهنا إليها أيضاً في مقالات ومقابلات فهي : تذكير كلمة النائب للنائبة بحجة أن النائبة جمعها نوائب أي مصائب ، مع العلم أن النوائب في القاموس تعني حوادث الخير مثل حوادث الشر .
وكثيرة هي العبارات والمفردات في اللغة العربية التي تشتمل على معانٍ عديدة ومتناقضة المعنى ، فهناك مثلاً 500 إسم للأسد و250 للناقة و200 للحيّة وهي أسماء مختلفة في اشتقاقها ومتفقة في اللغة .
أسوأ اغتيال للّغة العربية أن يقال : جاءت النائب اللبنانية ...
وأسوأ عيب للمرأة أن نُطلقَ عليها وصفاً مذكَّراً يشوّه أنوثتَها ...
وأخطر مشكلة في لبنان ، ليست في تذكير النساء بل في تأنيث الرجال .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 22/5/2026
ملحمةٌ ملَلْناها ، وملَلْنا أبطالهَا ، وملّتْ معنا الأقلامُ حتّى الإرهاق .
الأقلامُ أيضاً تحارب كما الرماح ، وإنْ تكسّرتِ الأقلامُ على الأقلام ، فقد تظلّ تنطق بالحقّ ، والحقُّ مثل الله لا يتحطّم .
ما رأيُ وسائل الإعلام في إعلانِ استراحةٍ للمحارب ، لننتقل بالقلم من حرب المسيّرات إلى حرب الكلمات والمعاني المبتذلة التي تروَّجُ بين فترةٍ وحين على لسان بعض المهووسين بالإبتكار ، فتنتقل بالعدوى من لسان إلى لسان ، ومن شاشة إلى شاشة ، وفي اللغة ليس هناك اختراعات بل قواعد .
أرضيّة الحركة الوطنية
في أواخر السبعينات ابتدَعَتْ جماعة الحركة الوطنية كلمة "الأرضية" وراحت تردّدها في الخطب والبيانات والمناسبات ، ولم تلبث أن تعمَّمتْ على ألسنة السياسيين والإعلاميين ، كما في بعض المراسلات الرسمية ، فما صدر كلام أو بيان أو حديث إلاّ كان فيه كلمة "الأرضية" ، وحين استُهلِك مفعولُها انقطع نسْلُها .
فاصل ونواصل : حوارات صاخبة
وفي أواخر التسعينات أطلقت الفضائيات العربية بدْعتين ، فتلقَّفتهما وسائل الإعلام اللبنانية بشراهة غبّيـة .
البدعة الأولى : في حلقات الحوار السياسية ، حين راح المحاور يحرّض ضيوفه على المواجهة الحادّة ، فيتحوّل الحوار إلى اشتباك وصراخ وشجار ، حتى تتخالط الأصوات الصاخبة ، فلا يعود المشاهدون يفهمون ما يقوله المحاورون ، وقد أدّى هذا النوع من الحلقات على إحدى الشاشات إلى شهر الأسلحة .
وبلغ عندي الفضول الرغبة في تقصّي الأمر فتبيّن : أن إدارة المحطات تشجّع على اعتماد هذا الأسلوب بحجّـة أنه يستقطب عدداً أوسع من المشاهدين وكذلك من المعلنين .
وفات هؤلاء أن هذا الأسلوب الساقط والصاخب يجعل المشاهدين يتحوّلون إلى محطات أخرى .
والبدعة الثانية : هي عبارة "فاصل ونواصل" : في حين أن فعل واصلَ ونواصل يتعدّى إلى مفعول ، أيّ : نواصل ماذا ...؟
ومع أنني دعوت في مقابلات تلفزيونية واتصالات شخصية ببعض المحطّات منبّهاً إلى هذين الخطأ والشطط ، فلا يزال هناك من "يواصل الفاصل" عمداً أو سهواً بالحلقات الصاخبة .
ــ السرديّـة ــ
البدعة العصرية اللاّفتة هي كلمة "السرديّة" وهي تكاد تكون وريثة "الأرضية"، فما سمعتُ حواراً متلفزاً ، وما قرأت مقالاً أو حضرت مجلساً إلاّ كانت كلمة "السرديّة" سيدة الكلمات ، وأحياناً تقع حيث لا يصحّ أن تقع .
كلمة سرَدَ في القاموس ولسان العرب تعني : تكلَّمَ وتابع الكلام ، وسردَ في القرآن ، تابع قراءتَهُ وأجاد سياقَهُ ، ووصْفُ الشعْرِ بالسردية هو انحطاط في مستوى الشعر ، ولأن كلمة سرَد تعني ثقَبَ أي قدحَ فهي تُطلقُ أيضاً على ما هو قدحٌ وذمّ .
سرِّدوا قدر ما تريدون ، ولكن اعرفوا كيف ومتى تسرّدون .
جاء النائبة وذهبتْ النائب
أما الطامَةُ الكبرى ، وقد نبهنا إليها أيضاً في مقالات ومقابلات فهي : تذكير كلمة النائب للنائبة بحجة أن النائبة جمعها نوائب أي مصائب ، مع العلم أن النوائب في القاموس تعني حوادث الخير مثل حوادث الشر .
وكثيرة هي العبارات والمفردات في اللغة العربية التي تشتمل على معانٍ عديدة ومتناقضة المعنى ، فهناك مثلاً 500 إسم للأسد و250 للناقة و200 للحيّة وهي أسماء مختلفة في اشتقاقها ومتفقة في اللغة .
أسوأ اغتيال للّغة العربية أن يقال : جاءت النائب اللبنانية ...
وأسوأ عيب للمرأة أن نُطلقَ عليها وصفاً مذكَّراً يشوّه أنوثتَها ...
وأخطر مشكلة في لبنان ، ليست في تذكير النساء بل في تأنيث الرجال .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 22/5/2026
