
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس احد مدخل الصوم والذكرى الرابعة لانتقال المونسنيور توفيق بو هدير إلى بيت الآب، في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان وانطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية الأب فادي تابت، والآباء يوسف نصر، جورج يرق وميشال عبود، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور النائب نعمة افرام، عميد المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، رئيس المجلس العام الماروني ميشال متى، الأمينة العامة للمؤسسة المارونية للانتشار هيام البستاني،عائلة المرحوم المونسنيور توفيق بو هدير، وحشد من الفاعليات والمؤمنين.
بعد الإنجيل المقدس، القى الراعي عظة بعنوان:"في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل " قال فيها: " تحتفل الكنيسة اليوم بأحد قانا الجليل، أحد مدخل الصوم، وتبدأ مسيرتها نحو الصليب لا بالحزن بل بالعرس، لا بالكآبة بل بالفرح، لأن الصوم في عمقه ليس زمن انكماش بل زمن تحوّل داخلي عميق. فكما حوّل الرب يسوع الماء إلى خمر فائق الجودة، يستطيع أن يحوّل قلب الإنسان من ضعف إلى قوّة، ومن حالة خطيئة إلى حالة نعمة. كان ذلك «في اليوم الثالث» اي بعد معموديته في بداية ظهور يسوع العلني، بعد معموديته، وكأن الإنجيل يلمّح إلى فجر جديد. يسوع لا يبدأ رسالته بدينونة، بل بمشاركة فرح في عرس في عائلة بسيطة. دُعي إليه هو وتلاميذه، وكانت أمّه هناك. إنها صورة الكنيسة الأولى: يسوع، مريم، التلاميذ. جماعة صغيرة تحمل سرّ العالم. أظهر الرب يسوع مجده، فآمن به تلاميذه. وهكذا أكمل فرحة العرس، وأظهر هويّته الإلهيّة".
وتابع: " يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا لنحيي معًا هذه الليتورجيا الإلهية، مفتتحين بها زمن الصوم الكبير، مع تحية خاصة لعائلة المرحوم المونسنيور توفيق بو هدير في ذكرى يوبيله الكهنوتي الفضي والذكرى الرابعة لوفاته. أرحّب بوالدته السيدة ماغي وبشقيقيه وعائلتيهما وبسائر أنسبائه. نستذكر فضائله الكهنوتية التي ميّزته: التواضع، الانفتاح، اكتشاف وجه الله في ذوي الإعاقة، الإيمان، البعد الرؤيوي، الطفولة الروحية على مثال شفيعته القديسة تريز الطفل يسوع والمحبة. ويبقى ذكره حيًّا في قلوب الشبيبة التي أحبّها ونظّم صفوفها فأسّس تجمّع يسوع فرحي، ومكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية، وجمعية شباب الرجاء، ومركز التنمية البشرية والتمكين في ريفون، وأرضك كنزك الزراعية، ومشروع يا عيني عالبلدي، والأيام العالمية المارونية للشبيبة. إننا في هذه الذكرى نرفع الصلاة لراحة نفسه وعزاء أسرته. لقد تضامن لبنان مع مأساة كارثة مدينة طرابلس وأهلها المصابين بانهيار بناياتها. فإنّا نقدّم التعازي لعائلات الضحايا: اثنتين في الانهيار الأول، وخمس عشرة ضحية في الانهيار الثاني، ونتمنى الشفاء للجرحى. ونقدّر كل الذين قدّموا أماكن لاستقبال العائلات المنكوبة. ولكن تبقى أكثر من 114 بناية مهدّدة بالانهيار، فنوجّه النداء إلى المسؤولين في الدولة لأخذ الحيطة ومساعدة ساكنيها في إيجاد أمكنة إيواء مطمئنة".
وأضاف: "في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل" (يو 2: 1). افتتح الرب يسوع رسالته الخلاصيّة، بحضور حفلة عرس وبآية تحويل الماء إلى خمر فائق الجودة. فيكشف عن ذاته بأنه عريس البشرية. وكأنه يقول لجميع الناس من كل جيل: "أنا فرحكم، أنا عريسكم، لا تخافوا، افتحوا لي أبواب كل قلوبكم". مِنْذُ الصَّفَحَاتِ الأُولَى لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يَظْهَرُ اللهُ كَعَرِيسٍ لِشَعْبِهِ، فَيَقُولُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ هُوشَعَ، «أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ» (هُوشَعَ ٢: ٢١)، وَيُعْلِنُ إِشَعْيَاءُ أَنَّ «كَمَا يَفْرَحُ الْعَرِيسُ بِالْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلَهُكِ» (إِشَعْيَاء ٦٢: ٥). هٰذِهِ الصُّورَةُ الزِّفَافِيَّةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ تَشْبِيهٍ شِعْرِيّ، بَلْ تَدْبِير خَلاَصِيّ يَبْلُغُ مِلْؤه فِي شَخْصِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي يَدْخُلُ التَّارِيخَ كَعَرِيسٍ جَدِيدٍ لِيُحَوِّلَ قَصَّةَ الإِنْسَانِ مِنْ عَهْدِ النَّقْصِ إِلَى عُرْسِ النِّعْمَةِ. لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الصُّدْفَةِ أَنْ تَكُونَ أُولَى آيَاتِهِ فِي وَلِيمَة عرس، فَهُوَ لاَ يَدْخُلُ كَمُعَلِّمٍ فَقَطْ، بَلْ كَعَرِيسٍ يَبْدَأُ عُرْسَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. يَقُولُ الْقِدِّيسُ إِيرِينَاوُس إِنَّ تَحْوِيلَ الْمَاءِ إِلَى خَمْرٍ هُوَ إِعْلاَنُ زَمَنِ الْفَرَحِ الْمَسِيحَانِيِّ، حَيْثُ يُعِيدُ الْمَسِيحُ خَلْقَ مَا فَسَدَ فِي بَدْءِ التَّارِيخِ. الْقِدِّيسُ أُغُسْطِينُس يَرَى فِي الْخَمْرة الْجَدِيدة رَمْزًا لِلنِّعْمَةِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ حُدُودَ النَّامُوسِ، فَالْجِرَارُ الْحَجَرِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ لِلتَّطْهِيرِ (يُوحَنَّا ٢: ٦) تَصِيرُ أَوَانِي فَرَحٍ، كَأَنَّ الْمَسِيحَ يُعْلِنُ أَنَّ عُرْسَ اللهِ مَعَ الإِنْسَانِ لَمْ يَعُدْ طُقُوسًا، بَلْ شَرِكَةَ حَيَاةٍ. وَيُضِيفُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ أَنَّ الْمَسِيحَ قدّس الْعُرْسَ البَشَرِيَّ، لِيُظْهِرَ أَنَّ سِرَّ الزَّوَاجِ ظل لِعُرْسٍ أَعْظَمَ، هُوَ اتِّحَادُ اللهِ بِالْبَشَرِيَّةِ. تدخّلت مريم: "ليس لديهم خمر" (يو 2: 3). لا أحد انتبه مثلها. كانت يقِظة، متأمّلة، قريبة من همّ الناس جميع الناس. لا أحد يعرف المسيح مثل مريم. هي التي حملته في أحشائها، أرضعته، ربّته، وكانت تتأمّل بوجهه وتحفظ الأمور في قلبها. فلا أحد يعرفه مثل مريم، لأنها عاشت معه سرّ القرب اليومي، ورأت في صمته ما لا يراه الآخرون. قالت للخدم: "مهما يقول لكم، فافعلوه" (يو 2: 5). إنّه سرّ الوساطة، سرّ الثقة التي تسبق المعجزة".
وقال: " تحوّل الماء إلى خمر، لا إلى خمر عادي، بل إلى خمر فائق الجودة. قرابة ست مئة ليتر من العطاء الفائق. نحن نعطي بحساب، أما الله فيعطي بغير قياس. نحن نخشى أن تنفد الموارد، أما هو فيفيض حيث لا نتوقع. "أظهر يسوع مجده، فآمن به تلاميذه". لم تكن المعجزة مجرد إنقاذ عرسٍ من إحراج، بل إعلان هوية. في لحظة واحدة تحقّق أمران: الفرح عاد الى العرس، والإيمان لدى التلاميذ تعمّق. هكذا يعمل الرب دائمًا: يجدد الواقع، ويكشف ذاته في آنٍ معًا. أحد قانا هو مدخل الصوم. وكأن الكنيسة تقول لنا: إذا أردتم أن تصوموا حقًا، فاطلبوا التحوّل. كما تبدّل الماء إلى خمر فائق الجودة، يستطيع المسيح أن يبدّل القلب. الصوم ليس امتناعًا عن طعام فقط، بل هو تغيير نوعي داخل الإنسان، انتقال من سطحية إلى عمق، من برودة إلى حرارة، من عادة إلى علاقة. من عرس قانا نطلّ على واقعنا الوطني. كم مرة شعرنا أن الخمر قد نفدت من عرس وطننا؟ أن الفرح تراجع، وأن الثقة اهتزّت، وأن الأجران بدت فارغة أو مهملة؟ لكن إنجيل اليوم لا يتوقّف عند النقص، بل يوجّهنا إلى الطريق المستقيم. قانا تعلّمنا أن الفرح الجماعي مسؤولية جماعية. وأن التغيير يبدأ حين يتحوّل كل واحد إلى خادمٍ أمين في موقعه، يملأ جرّته بصدق عمله ونقاوة ضميره. الوطن ليس فكرة مجرّدة، بل عرس مشترك. إذا نقصت الخمرة، لا يكفي أن نشكو،بل يجب أن نرفع الحاجة إلى منبع الرجاء، وأن نملأ الأجران بما بين أيدينا من إرادة صالحة وجهد حقيقي. آنذاك لا يعود الحديث عن ندرة، بل عن فيض؛ لا عن عجز، بل عن قدرة؛ لا عن نهاية، بل عن بداية جديدة. ومدخل الصوم يذكّرنا أن التغيير الوطني يبدأ بتغيير الذات الشخصية ، لأن القلب المتحوّل هو أساس المجتمع المتجدّد".
وختم الراعي: " في قانا الجليل بدأ يسوع آياته، وفي كل صوم يبدأ معنا آية تغيير إذا فتحنا له قلوبنا. فلنسمع اليوم صوت مريم يتردّد في أعماقنا: «مهما يقول لكم فافعلوه». ولندخل هذا الزمن بروح العرس، واثقين أن الذي حوّل الماء إلى خمر، قادر أن يجعل من أيامنا بداية جديدة، ومن صومنا مسيرة فرحٍ حقيقي يقودنا إلى فصح القيامة. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".
