
بدنا نروق" هذا عنوان أُغنية ، ما أنْ نطقَتْ بها الفنّانة الإستعراضية هيفا وهبي حتى انتشرت كالحكمةِ الرائجةِ على كلِّ شفَةٍ ولسان ، والحكمةُ على ما يبدو بقدر ما تترنّم بالدَلَع والإغراء ، بقدر ما يكون لها أثـرٌ بالغ الإنتشار .
لم يقتصر ذكرُ هذه الإغنية على المجالس الخاصة واللقاءات الشعبية ، بل ارتفعتْ إلى مستوى العلم السياسي ، حتى أنني لاحظتُ أحدَ الحوارات السياسية على الشاشات ، حين بلغ التشنّج فيه مستوى المواجهة الحادّة بين المتحاورين ، كان لا بـدّ لمَـنْ يدير المحاورة أنْ يلجأ إلى حكمة الفنانة هيفا وهبي ، قائلاً : "لا ... يا شباب بدنـا نروق " .
أكثر الذين تستهويهم هذه الأغنية ، هم الزعماء السياسيون الجدد ، أو أفراخ السياسة الذين صعدوا إلى فوق بواسطة الفانوس السحري لصاحبه علاء الدين في قصص ألف ليلة وليلة .
هؤلاء ، ليس من حجّـةٍ يبرّرون بها صعودهم الوهمي إلى فوق ، إلاّ ما جاء في هذه الأغنية ، "أنا مش عمْ جـرّب أطلع ... أنا فوق".
كان الزعيم في لبنان حتى يصل إلى مرتبة الزعامة يحتاج إلى سنوات طوالٍ من الجهد والعمل والكدح إلى جانب الشعب دفاعاً عن قضاياه حتى يصعد إلى فوق ، واليوم في زمن تقلُّبات التاريخ وانقلاب الأزمنة أصبح الرجل السياسي حتى يصل إلى فوق لم يعد يحتاج إلاّ الإستنجاد بأغنية هيفا وهبي .
على أنّ الإستنجاد السياسي بأغنية فنّانة جميلة من شأنه أن يعرّض الحياة السياسية إلى سلبيات ومتاعب ، لأنه إذا قيل إنَّ المرأة البشعة كثيراً ما توجّع القلب فإن المرأة الجميلة كثيراً ما توجّع الرأس .
من المعروف أن كل رأي يحتاج إلى حجّـة لإثبات صوابيّته ، وهو ما يُعرف بالإسناد ، والإسناد لا يقتصر على المجال العسكري والدعم الميداني ، بقدر ما يعود أصلُهُ إلى علم اللغة العربية ، وهو يشكّل الترابط بين كلمتين كمثل إسناد الخبر إلى المبتدأ .
هذا الإسناد يلجأ إليه الكتّاب والخطباء والأدباء والبرلمانيون والمحامون إستشهاداً بحكمة الحكماء والفلاسفة وكبار المفكرين والأنبياء وكتب الدين ، دعماً لسياسةٍ في برلمان ، ومرافعة في محكمة ، وخطبة على منبر ، ومقالة في جريدة ، وحديث في مجلس .
هاكم على سبيل المثال :
القرآن والأحاديث والأناجيل ، أرسطو ، أفلاطون ، إبن خلدون ، القديس أوغسطينوس ، يوحنا فم الذهب ، علي بن أبي طالب ، المعرّي ، المتنبي ، جبران خليل جبران .
ولأن أكثر الإستشهادات الرائجة عندنا هي للمتنبي ، فليس ما يمنع تعميماً للفائدة ، من تذكير السياسيين والزعماء ببعض أقوال المتنبي والتي قد تنطبق على حالنا وحال زعمائنا الذين هم فوق .
ــ لا تشترِ العبدَ إلاّ والعصا معه ...
ــ إنْ أنتَ أكرمْتَ اللئيم تمرّدا ...
ــ مصائب قـومٍ عند قـومٍ فوائدُ ...
ــ فيك الخصامُ وأنتُ الخصمُ والحكمُ ...
ــ الرأي قبل شجاعة الشجعان ...
ــ تجري الرياح بما لا تشتهي السفُنُ ...
ــ مَـنْ لم يمُتْ بالسيف مات بغيرهِ ...
أبرز أبيات المتنبي وأكثرها استثارةً وتبجُّحـاً هي في قوله :
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
أخشى أن يتعلّق الزعماء الجدد بهذا البيت فيودي بهم كما أودى بصاحبه إلى الهلاك .
ومن أجل الحفاظ على حياتهم ومستواهم الفكري ، عليهم أن يحتفظوا بثقافة الفنانات الإستعراضية .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 13/2/2026
لم يقتصر ذكرُ هذه الإغنية على المجالس الخاصة واللقاءات الشعبية ، بل ارتفعتْ إلى مستوى العلم السياسي ، حتى أنني لاحظتُ أحدَ الحوارات السياسية على الشاشات ، حين بلغ التشنّج فيه مستوى المواجهة الحادّة بين المتحاورين ، كان لا بـدّ لمَـنْ يدير المحاورة أنْ يلجأ إلى حكمة الفنانة هيفا وهبي ، قائلاً : "لا ... يا شباب بدنـا نروق " .
أكثر الذين تستهويهم هذه الأغنية ، هم الزعماء السياسيون الجدد ، أو أفراخ السياسة الذين صعدوا إلى فوق بواسطة الفانوس السحري لصاحبه علاء الدين في قصص ألف ليلة وليلة .
هؤلاء ، ليس من حجّـةٍ يبرّرون بها صعودهم الوهمي إلى فوق ، إلاّ ما جاء في هذه الأغنية ، "أنا مش عمْ جـرّب أطلع ... أنا فوق".
كان الزعيم في لبنان حتى يصل إلى مرتبة الزعامة يحتاج إلى سنوات طوالٍ من الجهد والعمل والكدح إلى جانب الشعب دفاعاً عن قضاياه حتى يصعد إلى فوق ، واليوم في زمن تقلُّبات التاريخ وانقلاب الأزمنة أصبح الرجل السياسي حتى يصل إلى فوق لم يعد يحتاج إلاّ الإستنجاد بأغنية هيفا وهبي .
على أنّ الإستنجاد السياسي بأغنية فنّانة جميلة من شأنه أن يعرّض الحياة السياسية إلى سلبيات ومتاعب ، لأنه إذا قيل إنَّ المرأة البشعة كثيراً ما توجّع القلب فإن المرأة الجميلة كثيراً ما توجّع الرأس .
من المعروف أن كل رأي يحتاج إلى حجّـة لإثبات صوابيّته ، وهو ما يُعرف بالإسناد ، والإسناد لا يقتصر على المجال العسكري والدعم الميداني ، بقدر ما يعود أصلُهُ إلى علم اللغة العربية ، وهو يشكّل الترابط بين كلمتين كمثل إسناد الخبر إلى المبتدأ .
هذا الإسناد يلجأ إليه الكتّاب والخطباء والأدباء والبرلمانيون والمحامون إستشهاداً بحكمة الحكماء والفلاسفة وكبار المفكرين والأنبياء وكتب الدين ، دعماً لسياسةٍ في برلمان ، ومرافعة في محكمة ، وخطبة على منبر ، ومقالة في جريدة ، وحديث في مجلس .
هاكم على سبيل المثال :
القرآن والأحاديث والأناجيل ، أرسطو ، أفلاطون ، إبن خلدون ، القديس أوغسطينوس ، يوحنا فم الذهب ، علي بن أبي طالب ، المعرّي ، المتنبي ، جبران خليل جبران .
ولأن أكثر الإستشهادات الرائجة عندنا هي للمتنبي ، فليس ما يمنع تعميماً للفائدة ، من تذكير السياسيين والزعماء ببعض أقوال المتنبي والتي قد تنطبق على حالنا وحال زعمائنا الذين هم فوق .
ــ لا تشترِ العبدَ إلاّ والعصا معه ...
ــ إنْ أنتَ أكرمْتَ اللئيم تمرّدا ...
ــ مصائب قـومٍ عند قـومٍ فوائدُ ...
ــ فيك الخصامُ وأنتُ الخصمُ والحكمُ ...
ــ الرأي قبل شجاعة الشجعان ...
ــ تجري الرياح بما لا تشتهي السفُنُ ...
ــ مَـنْ لم يمُتْ بالسيف مات بغيرهِ ...
أبرز أبيات المتنبي وأكثرها استثارةً وتبجُّحـاً هي في قوله :
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
أخشى أن يتعلّق الزعماء الجدد بهذا البيت فيودي بهم كما أودى بصاحبه إلى الهلاك .
ومن أجل الحفاظ على حياتهم ومستواهم الفكري ، عليهم أن يحتفظوا بثقافة الفنانات الإستعراضية .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 13/2/2026
