أخبار ساخنة

رتبة سجدة الصليب في كنيسة دير الرهبانية المارونية المريمية في زوق مصبح


ترأس الرئيس العام للرهبانية المارونية المريمية الاباتي ادمون رزق، رتبة سجدة الصليب في كنيسة سيدة اللويزة – دير الرئاسة العامة في زوق مصبح، عاونه فيها الآباء المدبرون العامون والمسؤولون العامون في الرهبانية، بمشاركة عدد من الآباء والإخوة المبتدئين وحضور حشد كبير من المؤمنين. وخدمت الرتبة جوقة جامعة سيدة اللويزة بقيادة الاب خليل رحمه.

 

بعد تلاوة الأناجيل الأربعة، ألقى الرئيس العام عظة قال فيها: "تضعُنا القراءاتُ اليومَ في ساحةِ حربٍ أشبهَ بحروبِنا هذه الأيّامِ: العدوُّ لديهِ الأسلحةُ وكلُّ الحججِ لشنِّ الهجومِ، وتبدو غاراتُه سهلةً على يسوعَ: إكليلُ شوكٍ وثوبُ أرجوانٍ. لطماتٌ وهزءٌ وتكبُّرٌ على الوديعِ والمتواضعِ القلبِ. صرخاتُ الهوشعنا لابنِ داودَ تحوَّلت إلى "اصلبه! اصلبه!"... ثقلُ صليبٍ على كتفيهِ وجلجلةٌ بانتظارِهِ. والمطرقةُ تنافسُ كلَّ الأصواتِ والضجيجِ. عطشَ ابنُ الإنسانِ إلى الحبِّ، فلم يجدْ سوى إسفنجةَ خلٍّ تمرمرُ ظمأَهُ. يقولُ النبيُّ أشعيا: "كشاةٍ سيقِ إلى الذبحِ"، أمّا يسوعُ فيقولُ: "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُ نفسي مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي." (يو 10: 18)"

 

اضاف: "إذًا أيُّها الأحبّاءُ، لا تنظروا إلى يسوعَ كمسكينٍ أو ضعيفٍ، ليسَ لديهِ خيارٌ. لأنَّهُ بإرادتِهِ الحرّةِ، بمحبّةٍ تفوقُ كلَّ فكرٍ وحسابٍ، حملَ الصليبَ وقَبِلَ موتَ العارِ على الجلجلةِ. لم يكنْ ضحيّةً عاجزةً، بل هو اختارَ أن يبذلَ ذاتَهُ، ألم يقلْ: "إنَّ أعظمَ حبٍّ هو أن يبذلَ أحدُهم نفسَهُ في سبيلِ أحبّائِهِ." (يو 15: 13) الصليبُ، إذاً، ليس ظلمًا من اللهِ، بل في عمقِهِ كشفٌ لظلمِ البشرِ. هو إدانةٌ عندَ اليهودِ وحماقةٌ عندَ اليونانيّينَ، أمّا "عندَنا نحنُ المُخلَّصينَ فهو قوّةُ اللهِ"، كما كتبَ القدّيسُ بولسُ. "أمّا نحنُ فننادي بمسيحٍ مصلوبٍ، هو عثارٌ لليهودِ وحماقةٌ للأممِ... فما يبدو أنّهُ حماقةٌ من اللهِ هو أحكمُ من الناسِ، وما يبدو أنّهُ ضعفٌ من اللهِ هو أقوى من الناسِ" (1 قور 10: 23، 25)".

 

وتابع: "اليوم سنتأمّلُ بالآلامِ المقدّسةِ وبالصليبِ أداةِ الخلاصِ. كلُّ الآلامِ التي حملَها الناسُ إلى يسوعَ تلاشت عندَ كلمتِهِ. كم مرّةً سمعناهُ: "إيمانُكَ خلّصَكَ"، "قُمْ وامشِ"، "مغفورةٌ لكَ خطاياكَ"... وغيرها: كلُّ مرضٍ وعلّةٍ وخوفٍ وموتٍ يختفي عندَ كلمةِ الربِّ! وما يحدثُ عندَ الصليبِ هو عملٌ إلهيٌّ لا يمكنُ لنا أن نفهمَهُ إن لم ندخلْ معهُ في سرِّ الصليبِ. فالألمُ في الصليبِ يتقدّسُ بأوجاعِ يسوعَ ويتحوّلُ إلى غفرانٍ، والجرحُ إلى ينبوعِ نعمةٍ، والموتُ إلى عبورٍ للحياةِ الجديدةِ. ويصبحُ صليبُ العارِ عصًا للمسيحِ الراعي، الذي يقودُنا بهِ إلى مراعي الملكوتِ الخصبةِ. يسيرُ أمامَنا، متحمّلًا كلَّ الأشواكَ في الطريقِ الصعبةِ. يسيرُ أمامَنا مواجهًا الذئابَ والحيّاتِ، متوقّيًا العثراتِ، متّخذًا على نفسِهِ أن يتلقّى الضرباتِ عنّا. هو الراعي الصالحُ، الذي يفدي خرافَهُ ويحميها من الضياعِ. ويسوعُ بحملِهِ الصليبَ، يجعلُهُ أيضًا صولجانَ ملكوتِهِ. فكلُّ ملكٍ لديهِ صولجانُهُ الخاصُّ ورايةٌ لمملكتِهِ. ويسوعُ ملكُنا العظيمُ، يحملُ صولجانَهُ الثقيلَ كدرعٍ ويمشي أمامَنا مواجهًا الحقدَ والشرَّ وسياساتِ هذه الدنيا، يعلّمُنا أنَّ اللهَ لا يخلّصُنا بالقوّةِ، بل بالمحبّةِ والرحمةِ والغفرانِ. وأنَّ الخلاصَ ليس بشنِّ الحروبِ بل بإدراكِ الملكوتِ معهُ. فالصليبُ هو حدثٌ تاريخيٌّ وحاضرٌ بشريٌّ لا يزال يُرفَضُ ويُضطهدُ ويُذلُّ، ولكنَّهُ الدربُ الوحيدةُ للملكوتِ: هو الطريقُ الوحيدُ إلى القيامةِ: "إن متنا معهُ، قمنا معهُ، وإذا صبرنا ملكنا معهُ" (2 تيم 2: 11-14). ولا من حياةٍ جديدةٍ من دونِ الانتصارِ بهِ".

 

وقال: "ثالثًا، إنَّ الصليبَ هو غرسةُ عدنٍ الجديدةِ. هو شجرةُ الخيرِ التي تُثمرُ قدّيسينَ. وأغصانُهُ تتفرّعُ لتصبحَ الخشبةَ التي تسندُ الزرعَ لينمو ويكبرَ ويثبتَ كالأرزِ الصامدِ العريقِ، ويزهرَ كالنخلِ الذي يعطي ثمارَهُ تحتَ الضرباتِ. وصرخَ يسوعُ: "يا أبتِ، اغفرْ لهم، لأنّهم لا يعلمونَ ماذا يفعلونَ." (لو 23: 34)، غافرًا لكلِّ من رفضَ حبَّ اللهِ وخيرَهُ وعدلَهُ. تمّمَ النبوءاتِ، صلّى، غفرَ للأعداءِ وأسلمَ الروحَ. لم يخسرِ الراعي خرافَهُ، ولا انهزمَ الملكُ، ولم تبقَ عدنٌ دونَ غرسةِ خلاصٍ يولدُ فيها الإنسانُ الجديدُ، من رحمِ المحبّةِ والغفرانِ. اليومَ، أمامَ صليبِ يسوعَ وآلامِهِ المقدّسةِ، نجدّدُ انتماءَنا لحظيرتِهِ وبنوّتَنا لملكوتِهِ. وإن أبرحتْنا الأوجاعُ، لن نخافَ، لأنَّ ربَّنا بدخولِهِ في الآلامِ قدّسَها، وأخضعَها لحبِّهِ، ولهذا، حتّى ولو زادتْ وطأتُها علينا، سنقولُ: "مع آلامِكَ يا يسوعُ". لأنَّهُ عندما "حملَ عاهاتِنا وتحمّلَ أوجاعَنا" (آش 53: 4)، جعلَ من الألمِ معهُ طريقَ خلاصٍ".

 

وختم: "يا يسوعُ المصلوبُ، لا تتركْنا في حروبِنا الظاهرةِ والباطنيّةِ. لا تتخلَّ عنّا يا ملكَنا حتّى عندما نفضّلُ على ملكوتِكَ ألفَ ملكٍ وملوكيّةٍ. لا تتعبْ من ضياعِنا أيُّها الراعي الصالحُ الذي يتركُ تسعةً وتسعينَ خروفًا ليبحثَ عن الخروفِ الضالِّ. علّمْنا أن نتعلّقَ بالملكوتِ السماويِّ فقط ولا نرجو غيرَهُ. وليكنْ صليبُكَ درعًا لنا وسترًا لنا وطريقَنا للبلوغِ إليكَ ولإرضاءِ أبيكَ. لكَ المجدُ ولأبيكَ وللروحِ القدسِ، اليومَ وكلَّ يومٍ من حياتِنا".