
الصحافي في السلطة الرابعة بمثابة المدّعي العام ، وغالباً ما يعتبرُ الحاكمَ متَّهماً حتى تثبُتَ براءتُه ، ولأنّ الحكام نادراً ما يعدِلون ، فإنَّ قلمَ الصحافي نادراً ما يمدح.
منذ أن بدأت ملامح انتخابات رئاسة الجمهورية الأخيرة في لبنان ، كتبتُ مقالاً دعوتُ فيه إلى انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً ، خلافاً للتوقعات التي كانت راجحة آنذاك .
وفي اعتقادي ، أنَّ فداحةَ الفساد والإنهيار التي طبعتْ الحكم الذي قبلَهُ ، تستوجبُ بعده حكماً يتحلّى بمستوىً عالٍ من النزاهة والإستقامة والحزم ، ويتخلّق بمسؤولية مترفّعة عن التزلّف والإنزلاق في شهوات النفس وأهوائها .
يومها ، كما قلت : لمْ أكنْ أعرف العماد جوزاف عون ، ولم يكن يجمعني بـه إلاّ التشابُه بالإسم الأول .
في إطلالتهِ التلفزيونية بعد عام من تولّيهِ زمام الحكم ، لن أتوقّف حيال ما أورَدَ من إنجازات وما توقّع من إصلاحات ، فالطريق لا يزال طويلاً وهو محفوفٌ بمزالق الصعود والهبوط .
ما لفتني في إطلالة الرئيس عون هو أنّـه يكاد يكون الوحيد الذي يُلزم نفسَهُ علانيةً بواسطة شاشات التلفزة بأنه لا يريد شيئاً لنفسه : لا مكاسب سياسية ولا ثروة مالية ولا كتلة برلمانية ، ولا ذاك الحلم الذهبي الرئاسي الذي إسمه التمديد والتجديد ، والذي راود كلّ رؤساء الجمهورية منذ الإستقلال حتى اليوم .
معظم الذين مارسوا مسؤولية الحكم ، كان مفهومهم للعمل السياسي هو تحقيق المكاسب وفق قاعدة : السلطة والنفوذ والمال ، فإذا الكرسي من موروثات القصور ، تنتقل بالوراثة إلى أهل البيت وغالباً ما ينعمُ بها الصهر .
الرئيس عون (جوزاف) يأبى أنْ تستدرجَهُ أفاعي الفردوس إلى إغراءاتها ، فأعلن صراحةً أنه لا يريد السلطة لنفسه زعامةً وألقابا عثمانية حيث الزعيم يمتطي أكتاف الأنصار ، يغذيّهم من دم الخزينة الحلوب ، ويهتفون لَهُ بالروح والدم نفديك.
وأبى أكثر ، أن ينطبق عليه الشعار الذليل الكافر : " الله ولبنان وعون " ليكون صنمّاً وثنّيـاً من آلهـة اللحم .
ما لفتني أيضاً في إطلالة الرئيس ، تلك القفزة البارعة فوق الساحة المدجّجة بالألغام ، فهو يفضّل أن يشنَّ حرباً على الحرب وليس على المحاربين ، وهي تلك الحكمة التي عبّـر عنها الفلاسفة في نظرتهم إلى محاربة الشرّ ، لا محاربة الشرير ، لأنه ماذا ينفع لو تـمَّتْ محاربة الشرير وبقي الشرّ .
إنها المعادلة التي تتكرر على لسان الرئيس : بين قوة الحق وحق القوة ، وهي التي تتكرر على لسان التاريخ مقتبسةً من رواية الأمير للشاعر الفرنسي "لافونتين"، حيث التوازن بين القوة والحكمة .
هذه الطوباوية السلطوية التي قلّما شهدها قصرٌ في لبنان وسائر بلاطات القصور ، لا نحتاج إلى اختصاصي في لغة الجسد لنعرف ما إذا كان الرئيس صادقاً في التزامه ، مع أن هناك دلائل واضحة في الوجه مثلما تكشف علامةَ الخبث تكشف إيضاً علامة الصدق .
سنواتٌ خمس وتمضي .
والذين يبقون عند ربّهم يرزقون يشهدون على التزامات الرئيس وإنجازاته ، وما إذا كان سينتقل مرتاح الضمير من كرسي القصر المزخرف بالحرير إلى قريته المتواضعة في الجنوب ، مجلّلاً بما هو أعظم وأبقى من السلطة والنفوذ والمال ، حين يكتب التاريخ إسم الرئيس الذي لا يريد شيئاً لنفسه .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 16/1/2026
منذ أن بدأت ملامح انتخابات رئاسة الجمهورية الأخيرة في لبنان ، كتبتُ مقالاً دعوتُ فيه إلى انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً ، خلافاً للتوقعات التي كانت راجحة آنذاك .
وفي اعتقادي ، أنَّ فداحةَ الفساد والإنهيار التي طبعتْ الحكم الذي قبلَهُ ، تستوجبُ بعده حكماً يتحلّى بمستوىً عالٍ من النزاهة والإستقامة والحزم ، ويتخلّق بمسؤولية مترفّعة عن التزلّف والإنزلاق في شهوات النفس وأهوائها .
يومها ، كما قلت : لمْ أكنْ أعرف العماد جوزاف عون ، ولم يكن يجمعني بـه إلاّ التشابُه بالإسم الأول .
في إطلالتهِ التلفزيونية بعد عام من تولّيهِ زمام الحكم ، لن أتوقّف حيال ما أورَدَ من إنجازات وما توقّع من إصلاحات ، فالطريق لا يزال طويلاً وهو محفوفٌ بمزالق الصعود والهبوط .
ما لفتني في إطلالة الرئيس عون هو أنّـه يكاد يكون الوحيد الذي يُلزم نفسَهُ علانيةً بواسطة شاشات التلفزة بأنه لا يريد شيئاً لنفسه : لا مكاسب سياسية ولا ثروة مالية ولا كتلة برلمانية ، ولا ذاك الحلم الذهبي الرئاسي الذي إسمه التمديد والتجديد ، والذي راود كلّ رؤساء الجمهورية منذ الإستقلال حتى اليوم .
معظم الذين مارسوا مسؤولية الحكم ، كان مفهومهم للعمل السياسي هو تحقيق المكاسب وفق قاعدة : السلطة والنفوذ والمال ، فإذا الكرسي من موروثات القصور ، تنتقل بالوراثة إلى أهل البيت وغالباً ما ينعمُ بها الصهر .
الرئيس عون (جوزاف) يأبى أنْ تستدرجَهُ أفاعي الفردوس إلى إغراءاتها ، فأعلن صراحةً أنه لا يريد السلطة لنفسه زعامةً وألقابا عثمانية حيث الزعيم يمتطي أكتاف الأنصار ، يغذيّهم من دم الخزينة الحلوب ، ويهتفون لَهُ بالروح والدم نفديك.
وأبى أكثر ، أن ينطبق عليه الشعار الذليل الكافر : " الله ولبنان وعون " ليكون صنمّاً وثنّيـاً من آلهـة اللحم .
ما لفتني أيضاً في إطلالة الرئيس ، تلك القفزة البارعة فوق الساحة المدجّجة بالألغام ، فهو يفضّل أن يشنَّ حرباً على الحرب وليس على المحاربين ، وهي تلك الحكمة التي عبّـر عنها الفلاسفة في نظرتهم إلى محاربة الشرّ ، لا محاربة الشرير ، لأنه ماذا ينفع لو تـمَّتْ محاربة الشرير وبقي الشرّ .
إنها المعادلة التي تتكرر على لسان الرئيس : بين قوة الحق وحق القوة ، وهي التي تتكرر على لسان التاريخ مقتبسةً من رواية الأمير للشاعر الفرنسي "لافونتين"، حيث التوازن بين القوة والحكمة .
هذه الطوباوية السلطوية التي قلّما شهدها قصرٌ في لبنان وسائر بلاطات القصور ، لا نحتاج إلى اختصاصي في لغة الجسد لنعرف ما إذا كان الرئيس صادقاً في التزامه ، مع أن هناك دلائل واضحة في الوجه مثلما تكشف علامةَ الخبث تكشف إيضاً علامة الصدق .
سنواتٌ خمس وتمضي .
والذين يبقون عند ربّهم يرزقون يشهدون على التزامات الرئيس وإنجازاته ، وما إذا كان سينتقل مرتاح الضمير من كرسي القصر المزخرف بالحرير إلى قريته المتواضعة في الجنوب ، مجلّلاً بما هو أعظم وأبقى من السلطة والنفوذ والمال ، حين يكتب التاريخ إسم الرئيس الذي لا يريد شيئاً لنفسه .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 16/1/2026