
نظَّم "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في فرعه في بيروت بالتعاون مع "حلقة الحوار الثقافي" الندوة الثانية بعنوان "المواطنة في لبنان: مقاربات اجتماعية وسياسية وتواصلية"، ضمن سلسلة من ثلاث ندوات، بعنوان "الثقافة الوطنية اللبنانية: من أجل ترسيخ المواطنة المسؤولة"،تحدث فيها كل من الدكاترة جورج شكيب سعاده، عبد الرؤوف سنو ونوال ترشيشي، وأدارتها الدكتورة لارا خالد، وشارك فيها عدد من الباحثين والأكاديميين.
تناول اللقاء اشكاليات المواطنة اللبنانية في ظل النظام الطائفي التقليدي، وتأثير الفضاء الرقمي على الهوية والانتماء الوطني. وخلصت المداخلات إلى أنّ "المواطنة في لبنان تتأرجح اليوم بين الطموح والواقع، من حيث إن المواطن اللبناني يملك وعيًا رقميًا متقدّمًا ويعبّر عن مشاعره الوطنية عبر المنصات، لكنه يبقى محاصرًا بين الخوف الطائفي وغياب شبكة حماية وطنية فعّالة". كما أكد المشاركون أنّ "تعزيز المواطنة يتطلّب مقاربة متكاملة تجمع بين الإصلاح السياسي والتربوي، والوعي الرقمي، والانفتاح على الآخر، بما يضمن بقاء لبنان وطنًا جامعًا لكل أبنائه".
افتتح الندوة المدير السابق للمركز العربي في بيروت الدكتور خالد زيادة،، الذي رحب بالحضور وبالمدير الجديد لفرع بيروت، الوزير السابق الدكتور ناصر ياسين، وأكد أهمية هذه السلسلة الثلاثية من الندوات عن "المواطنة المسؤولة" التي بدأها المركز العربي في بيروت، في الشهر الماضي، على أن تنتهي هذه السلسلة في ندوة أخيرة في نهاية الشهر الحالي.
من ناحيتها أكدت الأستاذة الجامعية ومديرة قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة اللبنانية الدكتورة لارا خالد، أن مفهوم المواطنة في لبنان "لا يمكن التعامل معه كمفهومٍ نظري مجرّد، بل كقضيّة حيّة تتقاطع فيها البنى الاجتماعيّة والاختيارات السياسية وأشكال التواصل العام". فقد أظهرت المقاربات المتعددة "أن أزمة المواطنة لا تنفصل عن اختلال العقد الاجتماعيّ، وعن الثّقة بين المواطنين والمؤسسات، وعن هيمنة الانتماءات الفرعيّة على حسّ الانتماء الوطني". ودعت خالد إلى إعادة التفكير في معنى المواطنة وممارساتها، "على أسس تضع الإنسان وكرامته وحقوقه في صلب السياسات العامة، وتعيد الاعتبار لمبادئ المساواة والمشاركة والمساءلة".
وكانت المداخلة الأولى للكاتب والأديب والأكاديمي الدكتور جورج شكيب سعاده، ا، الذي عرض في ورقته بعنوان "المواطنة والواقع اللبناني التعددي" قراءة تاريخية للتعددية اللبنانية، مؤكّدًا أنّها "سمة وجودية منذ عهد فخر الدين المعني الثاني الذي أسّس نواة وطنية تعددية قائمة على التعاون بين الطوائف". وأوضح أنّ "الأزمة ليست في الدين نفسه، بل في الممارسة الطائفية"، داعيًا إلى "تعزيز التربية الوطنية والقيم المشتركة لمواجهة الانقسامات، وإلى تكريس المحبة كـ «الطين» الذي يربط لبنات الوطن المتنوعة".
أما المؤرخ والعميد السابق لكلية التربية - الجامعة اللبنانية الدكتور عبد الرؤوف سنّو،، فقد تناول في مداخلته بعنوان "الطائفية المجتمعية/السياسية ومعضلة المواطنية في لبنان" جذور الطائفية المجتمعية والسياسية منذ تأسيس لبنان الكبير، معتبرًا "أنّ الحل يكمن في قيام الدولة المدنية التي تفصل بين الدين والسلطة وتمنح المواطن حقوقًا متساوية أمام القانون". ورأى أنّ النقابات والجمعيات الثقافية يمكن "أن تشكّل قاعدة اجتماعية عابرة للطوائف، تمهيدًا لبناء كتلة وطنية قادرة على التغيير التدريجي عبر الانتخابات"، مشددًا على أهمية الإصلاح التربوي لإعادة صياغة مفهوم الانتماء إلى الوطن.
كانت المداخلة الأخيرة بعنوان "المواطنة في وسائل التواصل الاجتماعي" للأستاذة نوال ترشيشي، عضو الهيئة الإدارية لحلقة الحوار الثقافي، التي شددت على أنّ وسائل التواصل الاجتماعي باتت اليوم «الميدان العام» الجديد الذي يُعيد صياغة المواطنة اللبنانية، حيث أظهرت الدراسات الحديثة "أنّ 88% من النقاشات السياسية تجري عبر مجموعات واتساب، وأنّ الخوارزميات الرقمية تعزّز الانحياز الطائفي بنسبة تصل إلى 85%". ورأت أنّ المطلوب هو "تحويل هذه المنصات من أدوات للتفتيت والشحن الطائفي إلى فضاءات جامعة تعزّز السلم الأهلي وتدعم المواطنة الرقمية العابرة للطوائف".
وانتهت الندوة بمداخلات وأسئلة من الحضور.