أخبار ساخنة

محاولة إقصاء المغتربين يفجر معركة الانتخابات في لبنان توجس لدى "الطبقة السياسية" من أصواتهم المتحررة نسبياً من القيود السياسية


كتب طوني بولس
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، في موازاة تعهّد الحكومة بإجرائها في موعدها، بداية الربيع المقبل، بدأت تتسرّب معلومات عن محاولة لـ "إقصاء" المغتربين الذين يعوَّل عليهم في لعب دور أساسي لإحداث التغيير المنشود باعتبارهم الأكثر قدرة على التحرّر من هيمنة الأحزاب. وتحول موضوع الانتخابات النيابية أحد أبرز الملفات الخلافية، والمتفجرة، التي تنتظر حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وحتى الآن عرف من الأطراف الذين يفضلون إلغاء اقتراع المغتربين "حزب الله" و "حركة أمل" و "تيار المردة".
ففي عام 2017، أقرّ مجلس النواب اللبناني قانوناً جديداً للانتخابات التشريعية، معتمداً على التمثيل النسبي والصوت التفضيلي، ونص على تقسيم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية تملك معظمها أكثرية طائفية واضحة. وبعد عقود من النقاشات وحملات الضغط، أقر القانون إشراك اللبنانيين في الاغتراب في الاقتراع انطلاقاً من البلدان حيث يقيمون بدلاً من الاضطرار إلى السفر إلى لبنان.
وفي انتخابات عام 2018، شارك غير المقيمين في الانتخابات التشريعية بشكل خجول، وذلك لأسباب تقنية ولوجستية، أبرزها المدة القصيرة التي اعطيت للتسجيل لدى السفارات في الخارج، إذ تبيّن أن عدد الناخبين المسجلين في الخارج بلغ 82965 ناخباً اقترع منهم 46799 مقترعاً، أي ما نسبته 56.4 في المئة من إجمالي المسجلين، وما نسبته 2.5 في المئة من إجمالي المقترعين.
انتخابات المغتربين؟
أما في الانتخابات التشريعية المقبلة، فتشير معلومات مسرّبة من ورشة عمل اللجنة المعنية بالملف الانتخابي، إلى أن هناك دراسة لإمكانية إلغاء انتخابات المغتربين مع الإبقاء على القانون الانتخابي الحالي، وذلك لأسباب لوجستية، منها تقريب موعد الانتخابات من الثامن من مايو (أيار) 2022 إلى 27 مارس (آذار) 2022، إضافة إلى عدم إمكانية توفير الأموال اللازمة بسبب الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
ولكن وفق المعلومات، فإن السبب الرئيس لمحاولة تطيير مشاركة المغتربين، يعود إلى توجس "الطبقة السياسية" من أصوات المغتربين المتحررة نسبياً من القيود الداخلية، لا سيما أن استطلاعاً للرأي، غير معلن أجرته إحدى القوى السياسية الفاعلة، يظهر أن حوالى 80 في المئة من المغتربين سيصوتون ضد الأحزاب الحاكمة.
وتشير المعلومات أيضاً، إلى أن "حزب الله" أبلغ حلفاءه بأنه لا يريد إجراء الانتخابات في الخارج، نظراً للعقوبات الأميركية التي تحاصره، والتي برأيه ستحول دون قدرة مرشحيه على تنظيم الحملات الانتخابية في العواصم العربية والغربية بحجة وجود قيود على مؤيّديه سياسياً، إلا أن مصدراً في الحزب رفض تأكيد هذه المعلومات، واضعاً القرار النهائي في يد مجلس النواب الذي سيعقد جلسة قريبة له في هذا الشأن.
الاغتراب والـ "الميغاسنتر"
ووفق متابعين للشأن الانتخابي، فإنه إذا أتيحت مشاركة المغتربين في الدوائر الانتخابية المعتمدة، وتم تمديد المهل للتسجيل في سفارات العالم لأشهر إضافية عدة، وتم تسهيل الشروط والقيود المفروضة، فهناك إمكانية لترتفع المشاركة لحدود النصف مليون مغترب، أي بمعدل 35 ألف ناخب في كل دائرة، وستشهد النتائج تغيرات جذرية، كون هذه النسبة تقارب 30 في المئة من أصوات المقيمين.
ويرى هؤلاء أنه بالإضافة إلى قضية تطيير انتخابات المغتربين، هناك محاولة جدية لتطيير ما يعرف بـ "الميغاسنتر"، أي المراكز الكبرى التي تتيح للناخب الانتخاب خارج منطقة قيده، وتكمن أهمية هذه المراكز بإعطاء هامش للمنتخبين للتحرر من الضغوطات الحزبية التي قد يواجهونها في القرى والبلدات التي تخضع للنفوذ الحزبي، وبحسب المعطيات، فإن نحو 20 في المئة من الناخبين يفضلون الاقتراع فيها، الأمر الذي قد يرفع نسبة المشاركة لو أنجزت.
تطيير الانتخابات
ويتخوف البعض من أن تكون بعض المواد "العالقة" في قانون الانتخابات، والتي تنتظر جلسة تشريعية، بمثابة "لغم" لإدخال تعديلات جوهرية على القانون الانتخابي لجعله أكثر ملاءمة للأحزاب الحاكمة وإغلاق الباب أمام دخول قوى جديدة إلى البرلمان، إضافة إلى الخشية من إمكانية تطيير الانتخابات برمتها لحجج عدة، وتحت وطأة السجالات السياسية والتوترات الأمنية المتوقعة.
وقد نصت المادة 112 من قانون الانتخابات النافذ حالياً، على تخصيص ستة مقاعد نيابية للمغتربين اعتباراً من دورة 2022 يصوت لهم المغتربون، على أن يتم تعليق اقتراعهم لنواب الداخل كما حصل في عام 2018، على أن يخصص لكل قارة مقعد نيابي، والنسب توزع مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بالتالي يرتفع عدد النواب من 128 نائباً إلى 134.
دعم دولي
وكان وزير الداخلية السابق محمد فهمي، أكد استكماله التحضيرات اللوجستية كافة لإجراء الانتخابات بموعدها وضمنها انتخاب المغتربين، كاشفاً أنه تواصل مع جهات مانحة أبدت استعدادها لدعم جهود الدولة والمساهمة بتغطية النفقات الخارجية والداخلية، مستغرباً طرح موضوع إلغاء اقتراع المغتربين.
وأشارت مصادر في وزارة الخارجية إلى وجود نظام إلكتروني خاص لتسجيل المغتربين في الخارج، وأن هناك جهات دولية متخصصة بالانتخابات تساعد الوزارة في هذه العملية، كما أن هناك إمكانية لإجراء انتخابات إلكترونية كما هي الحال في العديد من دول العالم، وأن جهات دولية عدة أبدت استعدادها لمشاركة خبراتها وإمكانياتها.
مهل خارجية
وفي هذا السياق، أوضح رئيس جمعية "جوستيسيا" الحقوقية بول مرقص، أنه وفق القانون، على السلطة تحديد موعد انتخاب المغتربين قبل 15 يوماً على الأكثر من الموعد المعين في لبنان، وأن تقريب موعد الانتخابات يجب أن يأخذ في الاعتبار المهلة الأقصى المعطاة لتسجيل المقترعين في الخارج، أي ألا تتجاوز 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة التي تسبق موعد الانتخابات النيابية، حيث يسقط بعدها حق الاقتراع في الخارج، ويجب على السفارات إرسال هذه القوائم تباعاً إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية قبل 20 ديسمبر (كانون الأول).
يضيف مرقص، أنه وفق المادة 114 المتعلقة بالقوائم الانتخابية للمغتربين، إذا قلّ عدد المسجلين في المركز الانتخابي الواحد عن 200 ناخب، عندها توضع إشارة تحول دون إمكانهم الاقتراع في محل إقامتهم الأصلي إضافة إلى ذكر مكان التسجيل في الخارج، وتكون تلك الحالة الوحيدة للإطاحة بانتخابات بعض المراكز الانتخابية المخصصة للمغتربين.
مواجهة مفتوحة
بدوره، أكد النائب بيار بو عاصي، وقوف حزبه (القوات اللبنانية)، ونواب آخرين بالمرصاد لأي محاولات لتطيير الانتخابات أو منع المغتربين من المشاركة فيها، وأشار إلى أن اقتراع المغتربين أمر أساس وحيوي للحياة الوطنية والسياسية ومدماك مهم في التغيير المقبل، وكشف بو عاصي عن زيارة قام به وفد من تكتل "الجمهورية القوية"، مساء الاثنين، 27 سبتمبر (أيلول)، لوزير الداخلية بسام مولوي لإبلاغه بموقف "القوات"، ومطالبته تعليق المادة 122 المتعلقة بتخصيص ستة مقاعد للمغتربين على أن تجرى انتخابات المغتربين على غرار عام 2018.
ورأى أن "حزب الله" يخشى إرادة اللبنانيين الحرة التي ظهرت منذ سنتين في الشوارع وفي داخل مناطق نفوذ الحزب تحديداً، ما يُظهر أن هناك تغييراً في المزاج اللبناني الذي لم يعد يريد التساهل والتهاون مع كل من يضرب نمط عيشه ويسيء إليه.
صياغة مستقبل
وأشارت مصادر "الحزب التقدمي الاشتراكي"، التمسك بإشراك المغتربين في الخارج، ودعوته لعدم ربط الموضوع بنتائج وحسابات الربح والخسارة لأي فريق، مشيرة إلى وجود نقاش جدي حول البند المتعلق باقتراع المغتربين، وإذا كان لا بدّ من تعليق بند انتخاب نواب في الخارج لأسباب تقنية ولوجستية، أي إضافة ستة نواب إلى عدد النواب الأساس بحيث يصبح عددهم في المجلس 134، عندها يجب إعطاء المغتربين حقهم في الداخل.
وكشف النائب فيصل الصايغ أنه "تم تحويل أكثر من ستة مليارات دولار، السنة الماضية، من المغتربين إلى أهلهم في لبنان، ما أسهم إلى حد كبير بالتخفيف من آثار الانهيار الاقتصادي وتفادي الفوضى العارمة"، بالتالي مطلوب أن يشارك الاغتراب في صياغة مستقبل لبنان.
قانون جديد
في المقابل، أكدت مصادر "التيار الوطني الحر"، معارضتها إلغاء انتخابات المغتربين، مشيرة إلى أنه في حال توافقت الكتل النيابية على تغيير القانون الحالي واستحداث قانون جديد، فإن "التيار" يدعم فكرة قانون مرتكز على أساس النسبية في لبنان دائرة واحدة، أو في المحافظات الخمس التاريخية وتخفيض سنّ الاقتراع إلى 18 سنة.
وكان وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي، أشار إلى أن التحضيرات الجارية لإتمام العملية الانتخابية في وقتها وسط أجواء مستقرة أمنياً، موضحاً أنه "إذا كانت الانتخابات ستجرى في مارس، فيجب حصول تعديل قانوني لأن هذا الموضوع يتعلق بالمهل، ولا مانع لدي في إجرائها وفق القانون، في الموعد الذي يتم تحديده".
وعن حصة المغتربين في الاقتراع لنواب الاغتراب، قال، "هناك لجنة، وفق القانون، مشكّلة من وزارتي الداخلية والخارجية لبحث الموضوع إذا كان المقصود عن النواب الستة الإضافيين، فنحن نسير بالمسألة وفق ما ينص عليه القانون لجهة تنفيذ هذا الأمر في الانتخابات المقبلة، وأي تدخل تشريعي آخر يعود إلى مجلس النواب".